علي بن محمد البغدادي الماوردي
322
أدب الدنيا والدين
ولا أفسد للتدبير من اعتقاد الطيرة « 1 » ومن ظن أن خوار بقرة أو نعيب غراب يردّ قضاء أو يدفع مقدورا فقد جهل . وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر » . فالعدوى ما يظنه الناس من تعدّي العلل والأمراض فأخبر أنه لا تعدي فقيل يا رسول اللّه إنا نرى النقبة من الجرب في مشفر « 2 » البعير فتتعدّى إلى جميعه فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : فما أعدى الأول . وأما الهامة فهو ما كانت العرب في الجاهلية تعتقده من أن القتيل إذا طلّ دمه فلم يدرك بثأره صاحت هامته في القبر اسقوني . قال الزبرقان بن زيد يعنيها : يا عمرو إلّا تدع شتمي ومنقصتي * أضربك حتى تقول الهامة اسقوني وقال إبراهيم بن هرمة وكيف وقد صاروا عظاما وأقبرا * يصيح صداها بالعشيّ وهامها تفانوا ولم يبقوا وكل قبيلة * سريع إلى ورد الفناء كرامها وأما الصفر فهو كالحية يكون في الجوب يصيب الماشية والناس وهو أعدى عندهم من الجرب وفيه يقول الشاعر : لا يمسك الساق « 3 » من أين « 4 » ولا وصب « 5 » * ولا يعض على شرسوفه « 6 » الصفر وروى أبو هريرة رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا ظننتم فلا تحققوا وإذا حسدتم فلا تبغوا « 7 » وإذا تطيرتم فامضوا وعلى اللّه فتوكلوا » وقال الشاعر :
--> ( 1 ) الطيرة : بكسر الطاء وفتح الياء : التشاؤم بالشيء . واستعمالها في المكروه ، والفأل بالعكس . ( 2 ) مشفر البعير : شفته الإبل . ( 3 ) الساق : هو ما بين الكعب والركبة . ( 4 ) اين : على وزن « زين » المشقة ، يقال : آن يئن إذا أعيا . ( 5 ) الوصب : هو المرض . ( 6 ) شرسوفه : هو على وزن عصفور : غضروف معلق بكل ضلع ، أو هو مقط الضلع ، وهو الطرف المشرف على البطن ، والغضروف العظم الرخو الذي يؤكل . ( 7 ) فلا تبغوا : أي لا تظلموا المحسود ، ولا تؤذوه .